عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

82

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

نفسه ، فإذا لا تتجاوز المحبة نفسه ؛ لأن نفسه قائمة بنفسها ، وما سواه قائم به . فهو لا يحب إلا نفسه . فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة اللّه للخلق عائدة إليه بالحقيقة إلا أنه لما كان ممرها على الخلق فبحسب تعلقها بالعام والخاص والأخص ، أثبت لكل صنف منهم سعادة يحظى بها عند مرورها عليه إلى أن ينتهي إلى محلها الذي صدرت منه فتكون المحبة والمحب والمحبوب واحد ، فصدرت المحبة عن محل « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » فما تعلقت إلا بأهل المعرفة ، وهم المخصوصون بالإنعام ، كما قال تعالى : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [ النّساء : 69 ] الآية ، فتعلقت بالعام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] بالأعمال الصالحة يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] يخصكم بالرحمة وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ آل عمران : 31 ] التي صدرت منكم على خلاف المتابعة وَاللَّهُ غَفُورٌ [ البقرة : 218 ] لمن أطاعه رَحِيمٌ [ الأنعام : 54 ] لمن لا يعصيه . وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق ، فقيل لهم بمكارم الأخلاق قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) [ آل عمران : 31 ] بالفضل يخصكم بتجلى صفات الجمال وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ آل عمران : 31 ] بستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 218 ] منور بصفاته صفات أهل رحمته ، وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بجذبات الإلهية ومشربهم الأحوال فقيل لهم : فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] ببذل الوجود يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 13 ] بجذبات المحبة الأزلية يخصكم بتجلي صفات الجلال فيجذبكم عنكم به إليه . وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ آل عمران : 31 ] ويستر بجوده ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ، ويثبتكم به كما قال تعالى « 1 » : ( فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش ) فيكون العبد في هذا المقام مرآة صفات لطفه وقهره ، فكما أن الرائي في المرآة يشاهد صفاته بصفاته وذاته بذاته فيكون الرائي والرؤية والمرئى واحدا ، فكذلك يكون في هذا المقام المحب والمحبة والمحبوب واحدا ، والعارف والمعرفة والمعروف واحدا ، فهو المحب العارف للمحبوب المعروف ، أي : الذي أحب أن يعرف فأحب نفسه بمحبته وعرف نفسه بمعرفته وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 218 ] جعل مرآة وجود المحبين والعارفين برحمته ممن تيقنوا

--> ( 1 ) أي في الحديث القدسي ، وقد سبق تخريجه .